كيف تحصل على إجابات موثوقة من مستنداتك أنت
عقد توريد من مئتَي صفحة، وسؤال واحد: هل يمنحنا بند الإنهاء ثلاثين يوماً فعلاً؟ الصقه في بوت محادثة عام، فتعود الإجابة مرتّبة واثقة مفصّلة، وقد تكون مختلَقة بالكامل لأن النموذج لم يقرأ هذا العقد أصلاً. وردمُ المسافة بين إجابة معقولة وأخرى صالحة للاستعمال عملٌ هندسي لا بريق فيه، ومعظمه يجري قبل أن يُسأل النموذج شيئاً.
لماذا يجيبك النموذج وهو لا يعرف
النموذج اللغوي يتنبّأ بما يُرجَّح أن يأتي بعد النص، اعتماداً على انطباع ناقص عمّا رآه في التدريب. ومستنداتك أنت شبه مؤكَّد أنها لم تدخل بيانات التدريب؛ وإن كان قد رأى ما يشبهها، فهو لا يستطيع أن يخبرك أيّ نسخة يستعيد. اسأله عن بند إنهاء لا وجود له إلا على خادم شركتك، فلا شيء لديه يستعيده، لكنه يعرف ما تقوله بنود الإنهاء عادةً، وهذا ما يعود به: ما يشبه إجماع بنود الإنهاء التي قرأها، مصوغاً بمفردات سؤالك.
المشكلة في الثقة لا في الخطأ. الامتناع عن الإجابة سلوك مكتسَب لا خاصية أصيلة، وليس في المخرجات ما يميّز جملةً منقولة من عقدك عن جملة متخيَّلة من ألف عقد يشبهه. أما لصق الملف كاملاً في نافذة سياق طويلة فيغيّر شكل الفشل ولا يلغيه: بدل أن يخترع بنداً، قد ينصرف انتباه النموذج إلى البند الخطأ بين بنود متشابهة. ومقدار التدهور مع طول السياق مسألة مختلَف عليها، فأن يسعه السياق بدايةٌ لا ضمانة.
ما الذي يفعله الاسترجاع فعلاً
الاسترجاع يقلب ترتيب العمل. تُقسَّم المستندات إلى مقاطع وتُفهرَس مسبقاً، وعند ورود السؤال يبحث النظام عن المقاطع المرجَّح أن تتعلق به، ويضعها في السياق، ثم يطلب من النموذج أن يجيب منها وحدها وأن يصرّح حين لا تتضمّن الجواب. بذلك تتحوّل مهمته من التذكّر إلى القراءة، وهي أيسر لا مجّانية؛ فمتى كبرت حصيلة الاسترجاع عادت مشكلات الانتباه نفسها.
والبحث عن المقاطع يجمع عادةً آليتين تفشلان في اتجاهين متعاكسين. البحث اللفظي يطابق الكلمات كما هي: ممتاز لرقم فاتورة، أعمى تجاه إعادة الصياغة. أما البحث المتجهي فيقارن embeddings، وهي تمثيلات عددية مدرَّبة ليتقارب فيها المتشابه في المعنى، فيربط «هل نستطيع الخروج مبكراً» ببندٍ عنوانه «الإنهاء لدواعي المصلحة»، ويفوّت بسهولة سلسلة حرفية نادرة. لذلك شاع الجمع بين الأسلوبين ثم إعادة ترتيب المرشّحين بنموذج يقيّم زوج السؤال والمقطع مباشرة، وثمنُ ذلك نموذج ثانٍ في المسار. والذي لا يصلحه شيء بعد ذلك مقطعٌ لم يُسترجَع أصلاً: فلا يصل النموذج شيء، وغيابُ المقطع يبدو له تماماً كسؤال لا جواب له في المستندات.
معظم الجودة تُحسم في التقطيع
المقطع هو أصغر وحدة يستطيع النظام استرجاعها، وهو في الوقت نفسه كل ما سيراه النموذج عن ذلك الموضع من المستند. اقصص جدول تحاليل بعدد المحارف، وهو الخيار الافتراضي في أغلب التنفيذات السريعة، فيقع صف العناوين في آخر مقطع وأربعون صفاً من البيانات في أول المقطع التالي، فتصل الأرقام بلا أعمدتها ويستعير النموذج أقرب تسميات يجدها: جدول أنيق بأرقام تحت عناوين خاطئة، لا يُكتشف خطؤه إلا بفتح الأصل.
أما النص القانوني فيخذلك على نحو آخر. «يجوز لأي من الطرفين إنهاء الاتفاقية بإشعار خطي مدته ثلاثون يوماً» جملة تامة وحدٌّ طبيعي للمقطع، والجملة التالية تبدأ بـ«على ألّا يسري الإنهاء ما بقي بيانُ عملٍ قائماً». استرجِع الأولى دون الثانية، يُقَل لك، مع إحالة إلى المصدر، إن لك حقّ إنهاء بمهلة ثلاثين يوماً.
وأنفع العلاجات اثنان: القصّ على بنية المستند نفسه من عناوين وأرقام بنود وحدود جداول لا على عدد المحارف، وإبقاء الجداول كاملة أو تكرار صف العناوين مع كل صف. ولا توجد إعدادات تصلح لكل المستندات؛ فما ينفع مع العقود لا يصلح للتقارير المخبرية، ويفسد أكثر مع عروض تقديمية مصدَّرة إلى PDF. فضع قائمة أسئلة أجوبتها معروفة من مستنداتك أنت، ثم قِس.
الإحالة إلى المصدر، وما لا تثبته
الإجابة التي تدلّ على مصدرها، الصفحة الحادية والستون وهذه الجملة بعينها، يمكن مقابلتها بالأصل في الوقت الذي تستغرقه للوصول إليه. وفي عقد أو سياسة داخلية أو تقرير طبي لا يكون التحقق اختيارياً، فالإجابة غير القابلة للتتبّع لا قيمة عملية لها: لا تستطيع التصرّف بناءً عليها، ولا يسعك تخطّي مراجعتها.
غير أن الإحالة تثبت أقل مما يوحي به ظاهرها. هي تخبرك بالمقطع الذي كان أمام النظام، لا بأن الجملة التي كتبها تلزم عنه. والتصميم المفيد هو الذي يجعل التحقق يسيراً: اقتباس المقطع بنصّه بدل الإحالة إلى صفحة، وعرضه مظلَّلاً في هيئة الصفحة الأصلية، ليقارن القارئ نصّين بدل أن يثق برقم في الهامش.
المستندات الممسوحة والنص العربي
المستند الممسوح ضوئياً لا يحتوي نصاً بل صور صفحات، فكل ما سبق متوقف على خطوة تعرّف ضوئي على الحروف (OCR) تضيف أخطاءها قبل أن يبدأ الاسترجاع. أخطاء الحروف متوقَّعة، وأخطرها ما بقي منها سليم الشكل: واحد يُقرأ سبعة، أو فاصلة عشرية زائدة. ورقم جرعة قُرئ خطأً يظل يبدو رقم جرعة، ويسري إلى الإجابة، وتسنده إحالة أمينة تشير إلى المقطع الذي أُخذ منه.
والعربية تضيف ثلاث مشكلات تُخلط عادةً في واحدة. أولاها ترتيب الاستخراج: ملف PDF يخزّن رموزاً بإحداثيات لا جملاً، وأداة الاستخراج هي التي تعيد بناء ترتيب القراءة. ومع اختلاط العربية باللاتينية، كاسم منتج أو رابط أو رقم بالأرقام الغربية داخل فقرة عربية، يقع الخلل في هذا البناء ثنائي الاتجاه؛ وبعض برامج توليد ملفات PDF تخزّن النصوص المتتابعة بالترتيب البصري لا المنطقي، فتعيد أداةٌ ساذجة كلمات مقلوبة.
وثانيتها أشكال الحروف بحسب الموضع: صورة الحرف العربي تختلف في أول الكلمة ووسطها وآخرها، وبعض الملفات تُرمّز أشكال العرض، أي نطاقَي يونيكود U+FB50–FDFF وU+FE70–FEFF، لا الحروف الأساسية، فتصل اللام ألف حرفاً مركّباً واحداً ولا تطابق كلمةً كُتبت في السؤال بالإملاء المعتاد. لذلك يلزم التطبيع عند الفهرسة والاستعلام معاً: ردّ أشكال العرض إلى أصولها، وتوحيد صور الألف، وحذف التشكيل، وتوحيد الأرقام العربية-الهندية مع نظيرتها الغربية. كما تفقد بعض أدوات الاستخراج حدود الكلمات فتعيد السطر كتلة واحدة، وهذا يُبطل أي فهرس لفظي مبني على الفصل بالمسافات.
وثالثتها جودة التعرّف نفسه. الخط العربي متّصل، والحروف تتراكب في التراكيب المتداخلة، وخط الأساس شبه متّصل؛ لذلك لم تنجح معه يوماً مسارات «افصل الحروف ثم صنّفها» التي قام عليها OCR اللاتيني زمناً. ومحرّكات اليوم تتعرّف على السطر كاملاً دفعة واحدة فتتجاوز المسألة، لكن هذه الخصائص نفسها تُبقي التعرّف أصعب: حروف كثيرة لا يفرّق بينها سوى النقط، وشائبة صغيرة في المسح لا تكسر الكلمة كسراً ظاهراً بل تحوّلها إلى كلمة أخرى سليمة تماماً. وأرقام الدقة المتداولة مأخوذة من صفحات مطبوعة نظيفة، والفارق عن اللاتينية يتّسع في الأوراق البالية التي تتكوّن منها الأرشيفات الحقيقية.
ما الذي يعجز عنه هذا الأسلوب
الاسترجاع يجيب عمّا تكفي فيه حفنة مقاطع، ولا يستدلّ عبر أرشيف كامل. سؤال «كم عقداً من عقودنا الأربعمئة يتجدّد تلقائياً» يقتضي قراءة أربعمئة مستند، بينما يعيد المسترجِع عشرة مقاطع تشبه السؤال، فيخرج النموذج بشيء له هيئة العدد. والتجميع و«أخرج لي كل الحالات» مسائل استخراج وقواعد بيانات متنكّرة في زيّ واجهة محادثة.
وأضعف ما فيه الغياب وما يُفهم ضمناً. لا يمكن استرجاع بند غير موجود، فالمخرج الأمين «لم أجد شيئاً»، وهو غير «لا يوجد شيء». والمستندات تقول أكثر مما تنطق به: تقرير أشعة قد يعدّد علامات يقرأها الطبيب فوراً بوصفها مقلقة دون أن ترد الكلمة. النظام يقرأ المكتوب، ويبقى على إنسان أن يعرف ما يلزم عنه.
لهذا الشكل من المسائل بُنيت الأدوات القائمة على مستنداتك، ومنها Firas Brain من MentronX: تفهرس موادّك، وتجيب من مقاطع مسترجَعة، وتحيل إلى مصادرها. والحدود المذكورة أعلاه تنطبق عليها هي أيضاً.
الخلاصة
احكم على هذه الأنظمة بمقدار ما تيسّر عليك التحقق؛ فاقتباسٌ تفتحه في أصله أثمن من فقرة سلسة. واحتفظ بقائمة ثابتة لأسئلة لا تطرحها عليها: الأعداد، والمقارنات عبر أرشيف كامل، وكل ما تلمّح إليه المستندات ولا تصرّح به.
مقالات قريبة